49- شدة المحاسبة للنفس

أنا شاب أعيش أواخر العقد الثالث من عمري، متزوج ولي أبناء، أعيش في رغد من العيش- لله المنة والفضل- وأحمل مؤهلاً علمياً عالياً، ولي دخل شهري وفير. مشكلتي أنني حينما أتذكر أن مرحلة الشباب آذنت بالرحيل، وأن العمر كاد يتصرم يضيق صدري، وقد أقلقني هذا الأمر كثيراً حتى أصبحت كثير الهواجس، شارد الذهن، بل قد يأتي علي ذلك في صلاتي أفكر فيما ينتظرني بعد مرحلة الشباب، فأنا أعيش مرحلة الشباب لكن لا أستمتع بها.

ساعدوني في حل مشكلتي كي أستمتع بالحياة، وأتذوق طعمها، علماً بأنني غير آسف على ما مضى من عمري، لأنني محافظ على ديني، ملتزم بشرع الله تعالى .

ص.ع - بريدة

* محاسبة النفس على الوقت، والاستفادة منه أمر مرغوب، له ثمراته، فهو يدفع الإنسان إلى حسن استثمار الوقت، وعمارته بما ينفع ؛ وتعد مرحلة الشباب أهم مراحل العمر التي ينبغي استغلالها قبل فواتها، لذا لا غرابة أن تنتابك هذه الأفكار، والمشاعر، ولا إشكال في وجودها، ورودها على ذهنك، ولكن الإشكال لديك في مقدارها، وشدتها، وتكرارها، وسيطرتها عليك إلى هذه الدرجة التي ذكرت.

إن هذا راجع- لدى كثير من الأشخاص- إلى طبيعة الشخص، وسماته، وصفاته الشخصية التي هي نتاج تفاعل عوامل عدة (وراثية، وبيئية، وتربوية). فهؤلاء تبرز لديهم محاسبة النفس بشدة، خصوصاً فيما يتعلق بالوقت، واستثماره، فيبالغون أحياناً إلى درجة يفقدون معها المرونة المطلوبة، والتي تمليها العوامل الخارجة عن تحكم الشخص.

وكثيرة ما تكون هذه الأفكار، والمشاعر متعلقة بعدم القدرة على تحقيق طموحات، وآمال يرسمها الشخص، ويحدده لها محطة زمنية (في مسار حياته)، فقد تكون الطموحات كبيرة جداً تتطلب جهداً أكبر، ووقتاً أطول مما يتصوره (سيما إذ كانت القدرات محدودة) فيجد نفسه قد وصل إلى المحطة الزمنية التي حددها، ولم يتمكن من تحقيق ما يطمح إليه من آمال، وتطلعات عندها تنتابه أفكار، ومشاعر كالتي ذكرت، وقد يبالغ في تصوراته إلى درجة كبير يحقر فيها إنتاجه فيما سبق من عمره، ويستصغره رغم كونه بخلاف ذلك، كما قد يبالغ البعض في فهم مرحلة الشباب، وتضخيم دورها وكأنها هي الحياة كلها، ولا مجال سواها لتحقيق الآمال، والطموحات، وأنها قصيرة جداً، ومحدودة، وأن لها نهاية محددة، وسيعقبها مباشرة مرحلة خمود وجمود... إلى آخر هذه التصورات الخاطئة.

الواقع أن مراحل الانتاج، والبذل في عمر الإنسان ليست بالقصيرة، ولا المحدودة، وأنت يا أخي في أواخر العقد الثالث من عمرك، ولا يزال أمامك المزيد من الوقت، وفيك القوة لاستثماره، وكسبه في تحقيق أهدافك، وبناء طموحاتك، وآمالك، مما يعود عليك بالنفع دنياً وآخرة.

الزمن يمر عليك، وعلى غيرك بالتساوي، وإنما يتفاوت الناس في حسن استثماره وكسبه، فمنهم من حاله كمن يركب الدابة ووجهه إلى الخلف، فهي تسير به دون أن له دور في توجيهها. ومنهم من يبادر إلى امتلاك زمام القيادة، وتوجيه المركبة الوجهة الصحيحة، وخذ بصره لاستجلاء عقبات الطريق استعداداً لها، وهؤلاء نادراً ما يشغلون أنفسهم بما مضى من الطريق وإن احتاجوا أحياناً إلى نظرات عابرة إلى الخلف.

فأنت يا أخي ما دمت غير آسف على ما مضى من عمرك، فلا تشغل نفسك كثيراً بهذه الهواجس، والوساوس، وانظر أمامك، واستثمر وقتك الحاضر، وخطط للمستقبل،واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، كما تعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وإذا أصلحت النية كفاك العمل القليل، والإنتاج اليسير.

هناك العديد من المراجع التي تناقش قضية إدارة الوقت واستثماره، وهي متوافرة في المكتبات، وفيها أفكار جيدة ستفيدك بإذن الله.

Free Web Hosting